مصطفى صادق الرافعي
53
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
قيصوم « 1 » ، ورقة غير ما انتهى إليهم من أمر الحاضرة . وهذا معنى ليس أظهر منه في إعجاز القرآن ، فإن اللغة لا تشب عن أطوار أهلها متى كانت من غرائزهم ، وإنما تكون على مقدارهم ضعفا وقوة لأنها صورتهم المتكلمة وهم صورتها المفكرة ، فهي ألفاظ معانيهم وهم في الحقيقة معاني ألفاظها ؛ ولذلك لا تزيد عليهم ولا ينقصون عنها ما دام رسمهم لم يتغير وما دامت عادتهم لم تنتقل ، فإن سنح لامرئ من أهل النظر أن يستدل في لغة من اللغات على آثار أمتها بنوع من القيافة المعنوية ؛ كما يستدل صاحب القيافة النظرية من الأثر في الطريق على مذهب صاحبه لا يخطئه ، وعلى بعض صفاته لا يتعداها - فذلك ممكن لا تهن فيه القوة ولا يبلغ به الإعياء ، متى هو تقدم فيه بالذهن الثاقب وتعاطاه بالقريحة النافذة ، لأنه يستظهر من اللغة الصفات على الموصوف ، ويجعل المعروف قياسا لغير المعروف . وأنت إذا صبغت يدك بهذا الفن من القيافة اللغوية ، وحاولت أن تستخرج من لغة القرآن ما يصف لك العرب على أخلاقهم وطباعهم ومبلغهم من العلم ؛ فإنك تحاول محالا ، وتكابر فيما يأبى عليك وما ليس في الحيلة إليه غير المكابرة ، حتى إن الذي لا يعتقد مستبصرا أن هذا القرآن من عند اللّه إذا هو نظر فيه وأثبت حقيقته وقوي على تمييزها وكان ممن ينزلون على حكم النظر والمعرفة ، فإنه لا يجد مناصا من رد التاريخ والتكذيب له ، ثم الإقرار بأن هذا القرآن إنما هو أثر من لغة قوم جاوزوا في الحضارة حد أهلها من سائر الأجيال . وبلغوا من أحوال المدنية أرقى هذه الأحوال ، وكانوا من العلوم في مقام معلوم ، لأن هذا الماء الصافي الذي يترقرق في عبارته ، وهذا النظم الجيد الوثيق ، وما اشتمل عليه من بدائع الأوصاف ، وما فيه من روائع الحكمة ثم ما احتوى عليه من إشارات السماء إلى الأرض ، وضراعة الأرض للسماء ، إلى ما حله من معضلات الاجتماع ، وكشفه من وجوه السياستين النفسية والقومية ، لا يكون البتة في لغة أمة قد أناخت بها أخلاق البداوة في ساقة الأمم حتى عبدت الأصنام ، ولم تعرف من الشرائع غير شريعة الإلهام ، وما ملكها من ملوك الدهر غير سلطان الأوهام . فهو إذا قرأ قوله تعالى « 2 » : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً * وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً * وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً * وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً * وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا * وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً * وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا * وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا * وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا * كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً .
--> ( 1 ) يقال : فلان يمضغ الشيح والقيصوم ، إذا كان عربيا خالص البداوة . وهما نبتتان من نبات البادية . ( 2 ) اتبعنا في كتابة هذه الآيات الكريمة رسم المصحف الشريف .